نعم لتعديل الدستور
قبل ثلاثة شهور نشرت مقالة ( الفقيه الدستوري و ثقافة التخلف ) الذي قد بينت لكم فيها تناقضات الفقيه الدستوري ؛ من حيث مطالبته بالتعديل على الدستور الكويتي ، كما أكدت من خلالها أنني ضد أي تعديل على مواد الدستور الكويتي في الوقت الحالي ؛ خصوصاً مع امتلاك الحكومة للأغلبية النيابية ، و مع عودة المطالبة بتعديل الدستور من قبل النائب علي الراشد ، الذي تراجع سابقاً عن طرحه بشأن تعديل الدستور ؛ حينما قال ( خذوا كلامي عن تعديل الدستور و أرموه في البحر ) ! رأيت أنني لابد أن أتطرق بشكل موسع في هذا الموضوع ؛ ألا و هو ( تعديل مواد الدستور الكويتي ) كي أظهر للقارئ أمور قد تكون خافيه عنه .
أنني أتفق تماماً مع القول بأن الدستور ليس كتاباً مقدساً لا يُمس ، و دساتير الدول العريقة مرت بمراحل من التعديلات ؛ لا خلاف في ذلك و هذا أمر معروف ، و قد أكده من وضعوا الدستور الكويتي كما أكده من وافقوا عليه ، بدليل أنهم اعتمدوا مبدأ التعديل و لم ينكروه أو ينفوه ، بل دعوا إليه و شجعوا عليه و لكن ضمن إطار حماية الحرية و الديمقراطية ، و تعزيز دور نواب الشعب في الرقابة و المحاسبة ، بعيداً عن محاولة وأد الدستور و تفريغه من محتواه !!
و لو رجعنا إلى محاضر صياغة الدستور ؛ لعرفنا من تلك المحاضر عمق واتساع المناقشة التي دارت حول حدود الرقابة التي يمارسها البرلمان ممثلاً بأعضائه ، و كانت هناك دعوات إلى عدم مشاركة الحكومة أصلاً في التصويت على تشكيل لجان التحقيق أو التقصي البرلمانية ، كما أن المشرع حفظ حق الاستجواب للعضو منفرداً أو مشتركاً مع غيره من النواب ، و قد أبقاه منفرداً ضماناً لحق الأقلية كي لا تسيد أغلبيةٍ ما في البرلمان ، يجب ألا يحجب حق العضو في المساءلة و الاستجواب ، و هذا تطبيق لمبدأ أساسي من مبادئ الديمقراطية يقوم على حماية حقوق الأقلية و الحيلولة دون استبداد الأكثرية .
إن هناك فرق شاسع ما بين حكومة الماضي و حكومة الحاضر !! حكومة الماضي رفضت التصويت على مواد الدستور ؛ كي يكون الدستور هو من نتاج نواب الأمة و الشعب ؛ بدون أي تدخل حكومي ، أما حكومة الحاضر تتدخل حتى في تصويت بعض النواب و ذلك حسب حاجتها و أهواءها !!
و نتطرق الآن إلى أنواع الدساتير في العالم ؛ فهي تنقسم إلى نوعان.. دستور مرن و دستور جامد :-
الدساتير المرنة: هي التي يمكن تعديلها بنفس الإجراءات التي يتم بها تعديل القوانين العادية ، أي تكون الجهة المناط بها سلطة التعديل و الإلغاء هي السلطة التشريعية وفقاً لأحكام الدستور ، و من أبرز الدساتير المرنة هو الدستور الإنجليزي ، إذ إن سلطة التعديل ممنوحة للبرلمان حيث يستطيع أن يعدل الدستور بالطريقة التي يعدل بها أي قانون عادي أخر ، كما أن هناك دساتير مرنة لا تشترط إجراءات معقدة لتعديلها ، مثل دستور ايطاليا 1848 و دستور الاتحاد السوفيتي السابق 1918 .
الدساتير الجامدة: هي الدساتير التي لا تعدل أو تلغي بنفس الإجراءات التي تعدل بها القوانين العادية ، بل يستلزم تعديلها إجراءات أشد من تلك التي يتم بها تعديل القوانين العادية ، و يهدف واضعو الدستور الجامد إلى كفالة نوع الثبات لأحكامه و ذلك باشتراط إجراءات خاصة تجعل تعديل الدستور صعباً ، و يتلاءم الجمود مع طبيعة الدساتير باعتبارها أعلى مرتبة من القوانين العادية ، إذ يجب إلا تتساوى إجراءات تعديها مع إجراءات تعديل هذه القوانين ، بل يجب أن تكون أصعب و أشد منها ، و يتميز الدستور الجامد بالثبات و الاستقرار ، و تحقيق الاحترام للدستور سواء لدى أفراد الشعب أو الهيئات الحاكمة ، و من الدساتير الجامدة هو دستور أمريكا 1787 ، و الدساتير الفرنسية و المصرية ( 1923 / 1956 / 1971 ) .
أن معظم الدساتير النافذة في الوقت الحاضر هي دساتير جامدة بالنظر لاختلاف إجراءات تعديلها عن إجراءات تعديل القوانين العادية ، حيث تشترط إجراءات صعبة لغرض تعديل الدستور ، و يتراوح جمود الدستور بين حظر تعديل الدستور ، و بين جواز التعديل بشروط خاصة أو مشددة ، فـ بالنسبة لحظر تعديل الدستور فإن واضعي الدساتير المحظور تعديلها لا يتم فيها عادة ورود نصاً صريحاً بالحظر المطلق من كل قيد ، بل يلجأون إلى نوعين من الحظر ، الحظر الزمني حيث يتم تحديد فترة زمنية كافية لتثبيت أحكام الدستور قبل السماح باقتراح تعديلها ، أو الحظر الموضوعي و ذلك لحماية أحكام معينة في الدستور بطريقة تحول دون تعديلها أصلاً ، حيث يتقرر هذا الحظر بالنسبة لأحكام معينة في الدستور تعتبر جوهرية و خاصة ما يتعلق منها بنظام الحكم المقرر ، و من أمثلة الدساتير التي أخذت بالحظر الموضوعي هو دستور البرتغال 1991 ، الذي يحظر تعديل شكل الحكومة الجمهورية .
كما يجب أن أذكر لكم مواد الدستور الكويتي الذي تحدد طريقة إجراء تعديلات عليه :-
المادة 174 : للأمير و لثلث أعضاء مجلس الأمة حق اقتراح تنقيح هذا الدستور بتعديل أو حذف حكم أو أكثر من أحكامه ، أو إضافة أحكام جديدة إليه .
فإذا وافق الأمير و أغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس الأمة على مبدأ التنقيح و موضوعه ، ناقش المجلس المشروع المقترح مادة مادة ، و تشترط لإقراره موافقة ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس ، و لا يكون التنقيح نافذا بعد ذلك إلا بعد تصديق الأمير عليه و إصداره ، و ذلك بالاستثناء من حكم المادتين 65 و 66 من هذا الدستور .
و إذا رفض اقتراح التنقيح من حيث المبدأ أو من حيث موضوع التنقيح فلا يجوز عرضه من جديد قبل مضي سنة على هذا الرفض . و لا يجوز اقتراح تعديل هذا الدستور قبل مضي خمس سنوات على العمل به .
المادة 175 : الأحكام الخاصة بالنظام الأميري للكويت وبمبادئ الحرية والمساواة المنصوص عليها في هذا الدستور لا يجوز اقتراح تنقيحها، ما لم يكن التنقيح خاصا بلقب الإمارة أو بالمزيد من ضمانات الحرية و المساواة .
المادة 176 : صلاحيات الأمير المبينة في الدستور لا يجوز اقتراح تنقيحها في فترة النيابة عنه .
“الخصخصة” دليل فشل الحكومة !!
لا أعتقد أن هذا هو أوان الخصخصة ؛ و ذلك لعدم مقدرة الحكومة على تشريع قانون عادل يحفظ المال العام من العبث ! كما أنها لا تستطيع حفظ حقوق العاملين في القطاعات المراد تخصيصها ! و أكبر دليل على صحة كلامي هو قانون خصخصة مؤسسة الخطوط الجوية الكويتية ، السعر السوقي الذي تم تحديده لقيمة المؤسسة لا يساوى ربع السعر الحقيقي لأصولها ! و الموظفين لم يتم تحديد مصيرهم إلى الآن ؛ كما أنه لم يتم بعد التوصل إلى آلية صرف المميزات المخصصة لهم ! كل ذلك يؤكد عدم مقدرة الحكومة على الاستمرار في الخصخصة بدون أن تقع في أي تخبط أو من غير أن تهضم حقوق البشر و الوطن !
و بما أن الحكومة مستمرة بما تريد ، لأن هناك نواب متلهفون على اقتناص الفرص المليارية ، حتى أن البعض منهم انقلب على أصحابة و ناخبيه ؛ من أجل ضمان مستقبل الأجيال القادمة “من سلالته” ، لذلك سوف يُمرر قانون الخصخصة ؛ رضي من رضي و آبي من آبي !!
فإذا كانت الخصخصة مثل الزواج “شر لا بد منه” !! أتمني أن يتم مراعاة التالي:
- في القطاع النفطي ( لا يتم خصخصة المورد بالكامل ؛ و إنما يتم منح الشركة نسبة من الأرباح / لا يتم زيادة أسعار بيع مشتقات النفط على المستهلك المحلي ) .
- في القطاع الصحي ( تلتزم الحكومة بدفع رسوم التأمين الصحي عن المواطنين ؛ حتى يتسني لهم التمتع بكافة خدمات المستشفيات و المستوصفات الخاصة ) .
- و في كل الأحوال و بجميع القطاعات تلتزم الحكومة بحفظ حقوق الموظفين من حيث الراتب و المميزات ، و في حالة تسريحهم من العمل تلتزم الحكومة بصرف رواتبهم حتى يتم تعينهم من جديد .
و أخيراً أخي القارئ.. أن مشاريع الخصخصة قبل أن تصبح مشاريع تنفيع و أهدار للمال العام ، فهي أكبر أثبات على فشل الحكومة في إدارة جهازها التنفيذي ؛ و تفشي ظاهرة الفساد الإداري و المالي في عروقه !!
مثلما قال الفاروق -رضي الله عنه- “لا خير فيكم إذا لم تقولوها” ، فأنه لدينا تجار و نواب يقولون “لا خير فيكم إذا لم تنهبوها” !!


